الجهــاد تعريفة وأنواعه واقسامة
واسئــلة حــول الجهــاد
وتعليق سماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله

الشيخ : صالح فوزان الفوزان

 

الحمد لله رب العالين، وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد :

فإن الجهاد في سبيل الله عز وجل فريضة عظيمة، وهو قوام الدين كما قال صلى الله عليه وسلم : ( رأس الأمر الإسلام، عموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله)) وقد أمر الله به في كثير من الآيات وحث عليه ورغب فيه، وكذلك نبيا محمد صلى الله عليه وسلم أمر بالجهاد ورغب فيه، وحث عليه وبين فضله وبين فوائده، حتى إن بعض العلماء عدّه ركنًا سادسًا من أركان الإسلام لأهميته، ولكثرة ما جاء في شأنه من الآيات والأحاديث وهذا ما لا شك فيه، وهو مجمع عليه بين أهل العلم، وهذا مدون في كتب الحديث وفي كتب الفقه، وفي كلام أهل العلم وله شروط وضوابط أخذوها من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه أمر مهم .

ولكن في وقتا هذا كثر القيل والقال في هذه المسألة العظيمة وتناولها أناس ليس عندهم بصيرة ولا علم، فتكلموا في الجهاد، ما بين متشدد وغال فيه، وما بين جاف ومتساهل في أمر الجهاد، حتى إن بعض الجهّال وبعض المغرضين من أعداء الإسلام يصفون الجهاد في الإسلام أنه وحشية وأنه إكراه على الدين، والله جل وعلا (لا إكراه في الدين) ويزعمون أن الإسلام ليس فيه قتال وليس فيه جهاد، هذا جانب والجانب الآخر متشدد فيه ويتكلم فيه بغير علم وبغير بصيرة وبغير ضوابط شرعية، لذلك ينبغي الاهتمام ببيان هذا الأمر العظيم .

لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (( إن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله))الحديث ،والله جل وعلا يقول : ((لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاّ وعد الله الحسنى وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (95) درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما(96) )) . صدق الله العظيم

والجهاد فريضة قديمة، فقد جاهد موسى عليه السلام، فخرج ببني إسرائيل غازيّا، قال تعالى: (( يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين)) فحصل منهم ما حصل وعاقبهم الله بما ذكر اله في هذه الآيات من سورة المائدة وفي النهاية وبعد موت موسى عليه السلام قاموا بالجهاد وفتحوا بيت المقدس ودخلوا فيه بالجهاد في سبيل الله عز وبحل فنفذوا ما أمرهم الله به لكن بعد تباطؤ وتلكؤ .

وكذلك في بني إسرائيل من بعد موسى كان الجهاد مشروعا كما قال تعالى ((ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا)) (البقرة :246.) إلى أن قال لهم نبيهم (( إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا)) (البقرة :247) فحصل منهم ما حصل من الجدال كعادة بني إسرائيل، ثم إنهم لما خرجوا من طالوت وفصل بهم، يعني خرج بهم غازيا في سبيل الله لقتال الكفار حصل امتحانهم بالنهر الذي ابتلاهم الله به ، ولم ينجح في هذا الابتلاء إلا عدد قليل:))فشربوا منه إلا قليلا منهم))(البقرة :249) فلما جاوز طالوت النهر ومن معه من الجنود قال تعالى : (( فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليل منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين (249) ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (250) فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء))، فهذا دليل على أن الجهاد أمر ماض في الأمم قبلنا، وكذلك سليمان عليه السلام وشأنه مع بلقيس ملكة سبأ وأنه قال : (( ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون))، فهذا سليمان بن داوود عليهما السلام هدد هذه الملكة بأن يغزوها بجنود لا قبل لأهل اليمن بهم، فما كان إلا أن خضعت واستسلمت وجاءت مسلمة وقالت :((رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين)) . صدق الله العظيم

الشاهد أن الجهاد موجود في الشرائع القديمة؛ لأن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لعبادته كما قال تعالى :(( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون(56) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون(57)))(الذاريات :56-57)) فالله خلق الخلق لعبادته وتكفل بأرزاقهم، فلما حصل من بعض العباد خروج عن طاعة الله وتكبر عن عبادة الله التي خلقوا من أجلها، فإن الله سبحانه وتعالى انتقم منهم، فكان في الأمم السابقة، أن الأمة إذا عصت وعتت عن أمر الله ولم تنقد لنبيها، أن الله يأخذها بالعقوبة المستأصلة فيهلكون عن آخرهم، كما حصل .

لقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ممن أهلكهم الله عن آخرهم لما تمردوا على أنبيائهم وتكبروا عن عبادة الله وأصروا على عبادة غير الله، وأصروا على الشرك فإن الله جل وعلا يستأصلهم عن آخرهم ولا ينجو إلا أهل الإيمان، لا ينجو إلا الرسل وأتباعهم. ثم إن الله سبحانه وتعالى بعد ذلك شرع الجهاد بدلا من الهلاك العام، عقوبة للكفار الذين أبوا أن يعبدوا الله سبحانه وتعالى وتكبروا عما خلقوا له، شرع الله الجهاد فكان من سنة الأنبياء بعد القرون الأولى إلى أن جاء نبينا صلى الله عليه وسلم فمضى على هذه الشريعة وهي الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله وإزالة الشرك والكفر ((م وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله))(الأنفال :79) . صدق الله العظيم

هذه هي الحكمة في مشروعية الجهاد؛ لأجل أن يعبد الله وحده كما قال عليه الصلاة والسلام :((بعثت بالسيف حتى يعبد الله لا شريك له...))الحديث، وقال عليه الصلاة والسلام :((أمرت أ، أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله)) .

والجهاد مصدر جاهد جهادا، والمراد به بذل الجهد في طاعة الله سبحانه وتعالى وعبادته، ومن ذلك قتال الكفار، فالجهاد أنوع، والمسلم لا يزال في جهاد من هذه الأنواع، وهو خمسة أنوع :

الأول : جهاد النفس: بأن يجاهد نفسه في طاعة الله،بأن يأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر. ولن يستطيع المسلم أن يجاهد غيره إلا إذا جاهد نفسه أولا .

الثاني : جهاد الشيطان : فإذا فرغ من جهاد نفسه بدأ في جهاد الشيطان بأن يعصيه فيما أمره به، ويفعل ما نهاه عنه .

الثالث : جهاد العصاة من المسلمين : وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك يكون بحسب الاستطاعة قال صلى الله عليه وسلم :((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان )) وفى رواية )(وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)) .

الرابع : جهاد المنافق : وذلك بدحض شبههم والرد على افتراءاتهم ويجب جهادهم والحذر منهم كما قال الله عز وجل ))هم العدو فاحذرهم)) (المنافقون:14))، وجهادهم يكون باللسان قال تعالى: )) يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم)) (التحريم :19) .

الخامس : جهاد الكفار: وذلك يكون بحمل السلاح ودخول المعارك لنشر دين الله ودحر الشرك وأهله، وقد فرض الله على هذه الأمة الجهاد في سبيله، ولكن شرعه بالتدريج، فيوم أن كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ومعه المسلمون كانوا منهيين عن الجهاد، مأمورين بكف أيديهم، فقد ظل النبي في مكة مدة ثلاث عشرة سنة بعد البعثة يدعو إلى الله عز وجل ورغم ما كان يلاقيه من قومه من عنت ومشقة، والعلة في ذلك أن المسلمين كانوا في حالة من الضعف، فلو أمروا بالقتال وهم على مثل هذه الحالة لتغلب عليهم العدو واستأصل شأفتهم وأماتوا دعوتهم. ثم لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ووجد الأنصار والأعوان أذن الله سبحانه وتعالى لهم بالجهاد (إذنا لا أمرا) فقال :(( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير)) فأذن لهم بالجهاد وأباحه لهم بعد أن كان محرما عليهم . ثم بعد ذلك أمروا بقتال من قاتلهم والكف عن من لم يقاتلهم قال تعالى(( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين))، فأمروا بقتال من قاتلهم فقط .

ثم بعد ذلك أمروا بالقتال مطلقا (من قاتلهم ومن لم يقاتلهم من الكفار) لأجل إعلاء كلمة الله وذلك لما صارت لهم قوة ودولة وعظمت شوكتهم، فأمرهم حينئذ بالجهاد قال تعالى:(( فإذا انسلخ الشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم)) (التوبة:5) .

فأمروا بقتال الكفار حتى يسلموا : لأن هذا هو ما خلقوا من أجله وهو عبادة الله الذي خلقهم ورزقهم فهو المستحق للعبادة، ولا يجوز أن تصرف العبادة لغيره، وهذا هو غرض الجهاد _ إعلاء كلمة الله وإفراده سبحانه بالعباد_ ولذلك لو تابوا وآمنوا ما قوتلوا، ولو ترك الكفار من غير قتال لاستطال شرهم على المسلمين؛ لأنهم لا يرضون أن يبقى على وجه الأرض مسلم قال تعالى: ((ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا))(البقرة:217)، وقال تعالى))ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم))(البقرة:120)، فلو لم يقاتلوا لاستطالوا على المسلمين بالتقتيل والتشريد والتخريب والأذى كما هو مشاهد وظاهر الآن لما عطل الجهاد وتوقف عنهم تفرغوا هم لذلك، فشرعوا في إرساليات التنصير وبسط النفوذ، وغير ذلك .

ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة ء ويقاتل من أجل المغنم، أي ذلك في سبيل الله فقال صلى الله عليه وسلم ))من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) .

أما من يقاتل لغير ذلك فليس في سبيل الله، والذي يقاتل في سبيل الله إن قتل فهو شهيد، وان لم يقتل فهو مأجور ومثاب، قال الله سبحانه وتعالى:((ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون))، وقال سبحانه وتعالى:(( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (169) فرحين بما أتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون(170) )) فإذا لم يقتلوا عادوا بأجر وغنيمة وعز وشرف في الدنيا والآخرة .

والجهاد في سبيل الله كما فصله العلماء على قسمين :

القسم الأول : فرض عين على كل مسلم يستطيع الجهاد وذلك في ثلاث حالات :

الحالة الأولى : قتال الدفع عن البلد إذا حاصر عدوهم من الكفار، فإنهم يقاتلون، ويجب على كل من يستطيع الجهاد أن يقاتل للدفاع عن حرمات المسلمين الذين في البلد .

الحالة الثانية : إذا استنفره الإمام للجهاد وجب عليه الامتثال، قال تعالى:))يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله إثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل))(التوبة :138)، وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا)).

الحالة الثالثة : إذا حضر القتال وفيه قوة فانه لا يجوز له أن يفر من الزحف بل يجب عليه أن يقاتل، قال تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار(15) ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا لفئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير))(الأنفال:15،16) فالفرار من الزحف كبيرة من كباتر الذنوب.

ففي هذه الأحوال الثلاث يكون الجهاد على الأعيان (أي فرض عين على كل مسلم مستطيع) .

القسم الثاني : فرض كفاية ويسمى جهاد الطلب، وهو أن نغزو الكفار في بلادهم وهذا فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وبقي في حقهم سنة من أفضل القربات، والله سبحانه أوجب على المسلمين إذا كان عندهم قوة أن يغزوا الكفار لإعلاء كلمة الله وإزالة الشرك والوثنية، قال تعالى : ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله))(الأنفال:39) فيجب على المسلمين إزالة الكفر والشرك من الأرض وإرجاع الناس إلى عبادة ربهم التي خلقوا من اجلها. ولكن قبل القتال لابد من دعوة الكفار إلى الدخول في الإسلام فإن أبوا ولم يقبلوا الدعوة فإنه يجب غزوهم وقتالهم؛ ولهذا فان النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وأوجب الله عليه القتال _قتال الطلب_ صار يراسل الرؤساء والملوك فيكتب لهم ويدعوهم إلى الإسلام، كما كتب لكسرى وكتب لقيصر، وكتب لغيرهم من ملوك الكفرة يدعوهم إلى الإسلام، لأن رسالته صلى الله عليه وسلم عامة للبشرية فيجب على كل البشر وكل الجن والإنس أن يتبعوا هذا الرسول فيدعوهم إل الله أولا، فإن استجابوا وإلا فإنه يقاتلهم، لأنها انقطعت معذرتهم وقامت عليهم الحجة ء وكذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية يوصيه في خاصة نفسه بتقوى الله ثم يوصيه ومن معه من المسلمين ويقول له : (( إذا حاصرت عدوك من المشركين فادعهم إل الله عز وجل، فإن استجابوا وإلا فاطلب منهم الجزية، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم ))، ولما أعطى الراية يوم خيبر لعلي بن أبي طالب ? قال له : ((امض على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم)).

فنحن لا نقاتل الكفار من أجل الطمع في بلادهم وأموالهم وإنما نقاتلهم لأجل مصلحتهم هم؛ لأجل إنقاذهم من النار وإخراجهم من الظلمات إلى النور، فنحن نقاتلهم من أجل مصلحتهم وإنقاذهم من الكفر والشرك ء ونحن نتحمل في ذلك المشقة والجراح والقتل كله لأجل مصلحة البشرية، وليس ذلك للمع في شيء من الدنيا كما يظن بعض الجهلة أو بعض المغرضين، ولذلك نبدؤهم بالدعوة فإن استجابوا لم يحتج لقتال، أما إن تمردوا وعتوا فإنهم يقاتلون.

والذي يأمر بالقتال وينظمه هو إمام المسلمين؛ لأنه من صلاحياته يقوم بذلك بنفسه أو من ينيبه، ولا يجوز للمسلمين الجهاد بدون إذن الإمام إلا في حالة واحدة إذا دهمهم عدو يخشون بأسه فإنهم يدفعونه، وهذا الدفع لا يحتاج لإذن الإمام، لأن هذا درء للخطر، قال صلى الله عليه وسلم : ((إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وان تعتصموا بحبل الله ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاة أمركم))، فلابد للمسلمين من قيادة وإمامة تنظم الجهاد والغزو في سبيل الله. والمسلمون لابد أن يكونوا تحت إمام وتحت قيادة وهم امة واحدة فلا يجوز التفرق والاختلاف لاسيما في أمور الجهاد، فإنهم إذا اجتمعوا مع إمامهم وتحت قيادته صار ذلك أقوى لهم وأهيب لعدوهم، آما إذا تفرقوا واختلفوا وكل يرى نفسه انه صاحب الصلاحية ولا يخضع لإمام فهنا تحل الكارثة بالمسلمين، قال الله سبحانه وتعالى : ((يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (45) وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين (46) ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط (47) )). أمرنا الله عز وجل بالاجتماع تحت قيادة واحدة، حتى تقوى ريحنا ويبقى جمعنا متكاتفا فإذا صار كل واحد منا مفتيا لنفسه، لا يرجع إلى إمامة ولا قيادة فهذا هو التفرق، والعياذ بالله.

وهذا يفرح العدو والله يقول: (( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون)) وقال صلى الله عليه وسلم : ((إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وان تعتصموا بحبل الله ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاة أمركم)).

فلابد للمسلمين من قيادة وإمامة، ويجب عليهم الحذر من الشذوذ والتفرق والاختلاف، فلا ينظم الجهاد والغزو غير الإمام، فشؤون الجهاد من صلاحيات الإمام؛ لأنه ليس بالأمر الهين بل هو أمر مهم يحتاج إلى اجتماع وقوة وتنظيم وإعداد، فلابد إذًا من إذن الإمام وقيادته، فهذا هو الجهاد في سبيل الله، والغاية منه إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى ونشر هذا الدين وإخراج الناس من الظلمات إلى النور ولهذا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وفاته لما كاتب الملوك وبلغ الدعوة شرع في الجهاد، فجهز الجيوش وغزا الكفار في بلادهم، ثم لما توفي صلى الله عليه وسلم واصل أصحابه الجهاد في سبيل الله الذي بدأه الرسول صلى الله عليه وسلم فغزوا فارس والروم ونشروا هذا الدين بالدعوة والعلم والجهاد في سبيل الله حتى بلغ هذا الدين مشارق الأرض ومغاربها، وتحقق قول الله عز وجل : ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون))، هذا هو دين الإسلام، ودين العدل والخير والهداية، وهو نعمة عظيمة لا يجوز أن نستأثر بها ونترك الناس بل لابد أن ننشر ونعمم هذا الخير على البشرية فهو مسؤوليتنا أمام الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، فهذا الدين ليس لنا وحدنا بل هو للبشرية، ولن ينتشر هذا الدين في البشرية إلا بأمرين: الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله عز وجل كما قال تعالى : (( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون))، هذه وظيفة المسلمين أن ينشروا هذا الدين بالدعوة والإرشاد وبالجهاد في سبيل الله عز وجل، وبذلك ينتصر هذا الدين، والله جل وعلا يقول : (( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور)) فنحن إن تمكنا في الأرض لا نقتصر على أخذ الأموال وجباية الخراج وما أشبه ذلك، بل لابد أن نقيم الصلاة ونلزم بإقامتها ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر في جميع بلاد الله عز وجل التي تكون تحت سلطتنا، ويقول سبحانه وتعالى : ((وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا)) هذا هو الأساس (يعبدونني لا يشركون بي شيئا) وبعده الجهاد في سبيل الله لأجل أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا وهذه هي دعوة الرسل كما قال تعالى: ((ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)) وقال تعالى: (( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون))، هذه هي الغاية من الجهاد في سبيل الله وهذه بعض أحكامه وهذه بعض آدابه.

والجهاد له باب عظيم في مؤلفات أهل العلم يرجع إليها وتستقرا هذه الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله، ويسأل عنها أهل العلم وأهل البصيرة، لأن الجهاد أمره عظيم، إذا نظم وصار على ما رسمه الله عز وجل، صار جهادا نافعا للأمة، أما إذا كان فوضى وبغير بصيرة وبغير علم فإنه يصبح نكسة للأمة وعلى المسلمين، فكم يقتل من المسلمين بسبب مغامرة جاهل أغضب الكفار _وهم أقوى منه_ فانقضوا على المسلمين تقتيلا وتشريدا وخرابا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويسموا هذه المغامرة بالجهاد، وهذا ليس هو الجهاد لأنه لم تتوفر شروطه، ولم تتحقق أركانه، فهو ليس جهادا وإنما هو عدوان لا يأمر الله عز وجل به.

هذا ونسأل الله سبحانه وتعالى أ، ينصر دينه وأن يعلي كلمته وأن يقيم علم الجهاد، فإن الجهاد ماض إلى أن تقوم الساعة حتى يقاتل أخر هذه الأمة الدجال، فالجهاد ماض ولله الحمد، إلى أن تقوم الساعة، ما بقي هذا الدين فإن الجهاد سيبقى، ويهيئ الله جل وعلا لهذا الجهاد وهذا الدين من يقوم به، قال تعالى : ((يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم)) .

فالجهاد باق إلى أن تقوم الساعة ولكن لابد أن يكون متمشيا مع الضوابط الشرعية، والحدود المرعية، حتى يكون جهادا صحيحا، ولا يكون فيه فوضى ولا يكون فيه عدوان، ولا يكون فيه جهل، وإنما يكون جهادا شرعيا فإذا كان الجهاد على الوجه المشروع فإنه سينتج النتيجة الطيبة كما حصل في صدر هذه الأمة لما جاهدوا في سبيل الله تحت رايات الجهاد وتحت أمر ولاة الأمور نشروا هذا في مشارق الأرض ومغاربها .

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلى كلمته وأن ينصر دينه، وان يخذل أعداءه، وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

: أســئلـة حـول الجهـاد


- السؤال :
أيهما أعظم جهاد العلم أم جهاد السيف ؟

الجواب : العلم أولا، فلابد للإنسان أن يتعلم ما يستقيم به دينه، قال تعالى : (( فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات))، فبدأ بالعلم قبل القول وقبل العمل، فالعلم أولا ثم يكون العمل ومنه الجهاد، حتى يكون جهاده على علم وعلى بصيرة ولا يكون على جهل وخطأ .

- السؤال : هل السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين أصل من أصول العقيدة السلفية ؟

الجواب : نعم، لا تكون جماعة للمسلمين بقيادة ولا قيادة إلا بسمع وطاعة ، لهذا قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم)) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وان تآمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا)) فأمر بالسمع والطاعة بعد تقوى الله سبحانه وتعالى.

- السؤال : هل الخروج على الحكام يكون بالفعل فقط . أم يكون بالقول أيضا ؟

الجواب : الخروج على ولاة الأمور يكون بالاعتقاد وبالقول ويكون بالفعل؛ وإذا اعتقد أنه يجوز الخروج على ولاة الأمر وأنه لا طاعة عليه لهم، إذا اعتقد هذا ولو لم يكلم به فإن هذا خروج على ولاة الأمور وخروج على السمع والطاعة لولاة الأمور. وإذا تكلم وقال إن ولي الأمر لا تجب طاعته فهذا خروج بالقول وإذا حمل السلاح كان ذلك أشد وشقا للعصا فهذا خروج بالفعل. فالخروج يكون بالاعتقاد وبالكلام _كأن يتحدث في المجالس ويسب ولاة الأمور ويقول هؤلاء ليس لهم سمع ولا طاعة_ ويكون بالفعل وذلك بحمل السلاح على المسلمين وإمامهم .

- السؤال : ما رأيكم فيمن يفتي الناس بوجوب الجهاد ويقول لا يشترط للجهاد وال ولا راية ؟

الجواب : هذا رأي الخوارج، فلابد من راية ولابد من إمام وهذا منهج المسلمين من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والذي يفتي بأنه يكون بلا إمام ولا راية فهو خارجي متبع لمذهب ورأي الخوارج .

- السؤال : ما رأي فضيلتكم فيمن يستدل بعدم إذن الإمام بقصة أبي بصيرصلى الله عليه وسلم ؟

الجواب : أبو بصير صلى الله عليه وسلم ليس في قبضة الإمام ولا تحت إمرته، بل هو في قبضة الكفار وفي ولايتهم فهو يريد أن يتخلص من قبضتهم وولايتهم فليس هو تحت ولاية الرسول صلى الله عليه وسلم ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سلمه لهم بموجب العهد والصلح الذي جرى بينه وبين الكفار، فليس هو في بلاد المسلمين ولا تحت قبضة ولي الأمر.

- السؤال : ما حكم الجهاد في هذا الزمان وأين نجده ؟ وهل يجوز لنا أن نجاهد تحت راية حاكم كافر أو مبتدع ؟

الجواب : القتال إذا كان تحت راية كافر فهو ليس بجهاد، وإنما تقاتل تحت راية المسلمين ومعه جماعة المسلمين .

- السؤال : حديث البخاري: (( الإمام جُنة يتقى به ويقاتل من ورائه)). هل هو دليل من يقول بوجوب أن يكون للجهاد إمام يعقد رايته ؟

الجواب : نعم، هذا نص في الموضوع فالإمام سترة للمسلمين، ويقاتل من وراء هذه السترة، ولا شك أن قيادة المسلمين وإمامة المسلمين نعمة عظيمة للمسلمين يقاتلون تحت رايتها، والإمام يقيم الحدود، ويؤدي الحقوق، ويبسط الله به الأمن على البلاد فهو نعمة من الله عز وجل .

- السؤال : ذهاب البعض إلى الجهاد في أماكن متفرقة دون إذن الإمام هذا صحيح ؟

الجواب : لا يجوز لهم أن يخرجوا إلا بإذن الإمام لأنهم الرعية والرعية لابد أن تطيع الإمام فإذا أذن لهم يبقى أيضا إذن الوالدين ورضاهما في جهاد الطلب فلا يذهب إلا برضى والديه؛ لأن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يجاهد فقال له: ((أحي والداك ؟ قال: نعم. قال: ((ففيهما فجاهد )) فأرجعه إلى والديه، فدل ذلك على وجوب إذنهما بعد إذن ولي الأمر.

- السؤال : إذا كان لوالدي أبناء غيري وليس يحتاجني في شيء ولا مبرر له بعدم الإذن لي بالجهاد إلا خونه علي من الموت، فما الحكم ؟

الجواب : الحكم أنك تطيعه ولو كان له مائة ولد، فيجب عليك طاعته والبر به وهذا فيه الأجر والثواب .

- السؤال : هل يجوز الخروج للجهاد بدون إذن الإمام إذا نال رضا الوالدين ؟

ألجواب : إذا أذن له الوالدان بقي إذن الإمام. فلابد من الأمرين : إذن الإمام ورضى الوالدين .

 

سماحه الشيخ / عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ

المفتي العام للمملكة العربية السعودية

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد :

فقد تحدث فضيلة الشيخ/ صالح في هذا المقام عن أنوع الجهاد وضوابط كل نوع، وماذا يلزم المسلم في هذا الشأن، وما هو الجهاد المتعين، وما هو الجهاد غير المتعين، وأجاب عن استفسارات السائلين بإجابات شرعية فيها البصيرة لمن يريد التبصر، فإن هذه الموضوعات المهمة إذا تحدث عنها أهل العلم والفقه في دين الله، تحدثوا عن بصيرة وعن علم وعالجوا هذه القضايا على وفق ما دل عليه الكتاب والسنة الصحيحة، وبهذا يستقيم حال الأمة إذا تلقوا عن علمائهم وذوي الفقه منهم الأحكام الشرعية وتلقوا التوجيهات النافعة التي تهديهم إلى طريق المستقيم .

فكم من مفت وكم من محاضر وكم من متحدث يقول ما لا علم له به ويتحدث عمن لا يدرك غايته، وربما زل لسانه بشيء فأخذها عنه من أخذ واغتر بها من اغتر فعادت على أولئك بالضرر المحض.

فأخذ العلم والفقه يكون من أهل العلم والفقه الذين إن تحدثوا تحدثوا بعلم، وان سكتوا سكتوا عن علم، وقالوا على الله بعلم، ولم يكن الأمر تخرصا ولا عواطف جياشة تسوقهم بلا بصيرة ولا رؤية.

فمن سمع المحاضرة وأصغى إليها سمعه ببصيرة وتأمل سيجد فيها الغاية من الاتزان والتبصر، فيكون منطلقا في أموره على دليل وهدى، فإن الأمة إنما وقعت فيما وقعت فيه من البلاء لما أفتى الناس من لا يعلم وتحدث من لا يفهم، فهؤلاء الخوارج في عهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لم يقبلوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهمهم ولم يصغوا إلى علمهم، واغتروا بأنفسهم واعتدّوا برأيهم، وفهموا القرآن على غير ما فهمه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانوا كما أخبر النبي حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام لا علم ولا بصيرة فضلّوا وزاغوا عن طريق الهدى فاستباحوا دماء المسلمين وأموالهم رغم أن عندهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق وأفقههم في دين الله، لكن الغرور والإعجاب بالنفس والانخداع بمن لا علم عنده أضلهم عن الطريق المستقيم، ولو أخذوا العلم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصغوا إل توجيهاتهم ونصائحهم، كما أتاهم ابن عباس وناظرهم حتى رجح من رجح منهم، وبقي على غوايته وضلالته من ليس قصده الحق إنما قصده الباطل والإضلال، فلما أعرضوا عن علم الصحابة وتوجيهاتهم ضلوا.

وهكذا في كل زمان ومكان إذا أعرض الناس عن توجيهات العلماء الراسخين الناصحين، وأخذوا العلم عن أناس مقبلين على العلم والفتوى بلا دراية ولا بصيرة، فعندئذ يقود _هؤلاء_ الناس إلى الهاوية ويوقعونهم في البلايا، فنسأل الله السلامة والعافية، وجزى الله الشيخ بما قال خيرا، وجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله على عبدالله ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

صالح فوزان الفوزان

الفقه في الدين عصمة من الفتن

 
 
 
 
 
    جميع حقوق النشر محفوظة لـ موقع مراجعات فكرية